مركز الثقافة والمعارف القرآنية
452
علوم القرآن عند المفسرين
الطائفة الذين يقولون بأن الاعجاز وقع بالصرفة ، وكان بعض شيوخنا ممن له تحقق بالمعقول وتصرف في كثير من المنقول إذا أراد أن يكتب فقرا فصيحة أتى لبعض تلامذته وكلفه أن ينشئها له ، وكان بعض شيوخنا ممن له التبحر في علم لغة العرب إذا أسقط من بيت الشعر كلمة أو ربع البيت وكان المعين بدون ما أسقط لا يدرك ما أسقط من ذلك ، وأين هذا في الادراك من آخر إذا حركت له مسكنا أو سكنت له محركا في بيت أدرك ذلك بالطبع ، وقال : ان هذا البيت مكسور ، ويدرك ذلك في أشعار العرب الفصحاء إذا كان فيه زحاف ما وان كان جائزا في كلام العرب ، لكن يجد مثل هذا طبعة ينبو عنه ويقلق لسماعه ( هذا ) ، وان كان لا يفهم معنى البيت لكونه حوشى اللغات أو منطويا على حوشى ، فهذه كلها من مواهب اللّه تعالى لا تؤخذ باكتساب لكن الاكتساب يقويها ، وليس العرب متساوين في الفصاحة ولا في ادراك المعاني ولا في نظم الشعر ، بل فيه من يكسر الوزن ومن لا ينظم ولا بيتا واحدا ومن هو مقل من النظم ، وطباعهم كطباع سائر الأمم في ذلك حتى فحول شعرائهم يتفاوتون في الفصاحة ، وينقح الشاعر منهم القصيدة حولا حتى تسمى قصائد الحوليات فهم مختلفون في ذلك ، وكذلك كان بعض الكفار حين سمع القرآن أدرك اعجازه للوقت فوفق وأسلم ، وآخر أدرك اعجازه فكفر ولج في عناده بغيا أن ينزل اللّه من فضله على من يشاء من عباده ، فنسبه تارة إلى الشعر وتارة إلى الكهانة والسحر ، وآخر لم يدرك اعجاز القرآن كتلك المرأة العربية التي قدمنا ذكرها وكحال أكثر الناس ، فإنهم لا يدركون اعجاز القرآن من جهة الفصاحة ، فمن أدرك اعجازه فوفق وأسلم بأول سماع سمعه ، أبو ذر رضى اللّه عنه قرأ عليه صلّى اللّه عليه وسلّم من أوائل فصلت آيات فأسلم للوقت وخبره في اسلامه مشهور ، وممن أدرك اعجازه وكفر عنادا عتبة بن ربيعة وكان من عقلاء الكفار حتى كان يتوهم أمية بن الصلت أنه هو يعنى عتبة يكون النبي المنبعث في قريش ، فلما بعث اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حسده عتبة وأضرابه مع علمهم بصدقه وأن ما جاء به معجز ، وكذلك الوليد بن المغيرة روى عنه أنه قال لبنى مخزوم : « واللّه لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الانس ولا من كلام الجن ، ان له لحلاوة وان عليه لطلاوة وان أعلاه لمثمر وان أسفله لمغدق وانه يعلو وما يعلى » . ومع هذا الاعتراف غلب عليه الحسد والأشر حتى قال